المقريزي
360
إمتاع الأسماع
وقال قتادة عن كعب الأحبار : كان سبب استنقاذ بني إسرائيل من أرض بابل ، رؤيا بختنصر ، فإنه رأى رؤيا فزع منها ، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه ، وسألهم أن يعبروها له ، فقالوا : قصها علينا ، قال : قد نسيتها ! فأخبروني بتأوليها ، قالوا : فإنا لا نقدر حتى تقصها علينا ، فغضب وقال : اخترتكم واصطفيتكم لمثل هذا ، اذهبوا فقد أجلتكم ثلاثة أيام ، فإن أتيتموني بتأويلها وإلا قتلتكم ! وشاع ذلك في الناس ، فبلغ دنيال وهو محبوس ، فقال لصاحب السجن وهو إليه محسن : هل لك أن تذكرني للملك ؟ فإن عندي [ تأويل ] ( 1 ) رؤياه ، وإني أرجو أن تنال عنده بذلك منزلة ، ويكون سبب عافيتي ، قال له صاحب السجن : إني أخاف عليك سطوة الملك ، لعل غم السجن حملك على أن تتروح بما ليس عندك فيه علم ، مع أني أظن إن كان أحد عنده في هذه الرؤيا علم فأنت هو ، قال دانيال : لا تخف علي فإن لي ربا يخبرني بما شئت من حاجتي ، فانطلق صاحب السجن فأخبر بختنصر بذلك ، فدعا دانيال فأدخل عليه - وكان لا يدخل عليه أحد إلا سجد - فوقف دانيال فلم يسجد ، فقال الملك لمن في البيت : اخرجوا ، فخرجوا ، فقال بختنصر لدانيال : ما منعك أن تسجد لي ؟ قال دانيال : إن لي ربا آتاني هذا العلم الذي سمعت به على أن لا أسجد لغيره ، فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عني هذا العلم ، ثم أصير في يدك أميا لا ينتفع بي فتقتلني ، فرأيت ترك سجدة أهون من القتل ، وخطر سجدة أهون من الكرب والبلاء الذي أنت فيه ، فتركت السجود نظرا إلى ذلك ، فقال بختنصر : لم يكن قط أوثق في نفسي منك حين وفيت لإلهك ، أعجب الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم العهد ، فهل عندك علم بهذه الرؤيا التي رأيت ، قال نعم عندي علمها وتفسيرها ، رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء ، أعلاه من ذهب ، ووسطه من فضة ، وسفله من نحاس ، وساقاه من حديد ، ورجلاه من فخار ، فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته ، قذفه الله بحجر من
--> ( 1 ) زيادة للسياق .